أحمد بن ابراهيم النقشبندي
227
شرح الحكم الغوثية
النفس والهوى والشيطان ، ومن خرج عن هذه الأشياء كلها كيف يخالف ما أمره به الرحمن . ولذلك قال الشيخ عبد القادر الكيلاني رضي الله عنه : وعليك بالإخلاص ، وهو نسيان رؤية الخلق ، ودوام رؤية الخالق ، ولا تتهم اللّه في الأمور ، واسكن إليه في كل حال . وقال في الحكم العطائية : الأعمال صور قائمة وأرواحها وجود سرّ الإخلاص فيها « 1 » .
--> ( 1 ) قال سيدي ابن عجيبة : الأعمال هنا عبارة عن الحركة الجسمانية أو القلبية . والصور جمع صورة وهو ما يتشخص في الذهن من الكيفيات . والروح السرّ المودع في الحيوانات وهو هنا عبارة عما يقع به الكمال المعتبر في الأعمال . والإخلاص إفراد القلب لعبادة الرب ، وسره لبّه وهو الصدق المعبر عنه بالتبري من الحول والقوة ، إذ لا يتم إلا به ، وإن صح دونه إذ الإخلاص نفي الرياء والشرك الخفي . وسره : نفي العجب ، وملاحظة النفس والرياء قدح في صحة العمل والعجب قدح في كماله فقط . قلت : الأعمال كلها أشباح وأجساد وأرواحها وجود الإخلاص فيها فكما لا قيام للأشباح إلا بالأرواح وإلا كانت ميتة ساقطة كذلك لا قيام للأعمال البدنية أو القلبية . إلا بوجود الإخلاص فيها وإلا كانت صورا قائمة وأشباحا خاوية لا عبرة بها : قال تعالى : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ [ البينة : 5 ] ، وقال تعالى : فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ [ الزمر : 2 ] ، وقال صلى اللّه عليه وسلم حاكيا عن اللّه تعالى : « يقول أنا أغني الشركاء عن الشرك ، من أشرك معي غيري تركته وشريكه » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « أخوف ما أخاف على أمّتي الشرك الخفيّ وهو الرّياء » . وفي رواية : « اتقوا هذا الشرك الخفيّ ، فإنّه يدبّ دبيب النمل ، قيل : وما الشرك الخفي ؟ قال : الرياء » ، انتهى بالمعنى لطول العهد به ، وفي حديث مسلسل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه سئل عن الإخلاص فقال : « حتّى أسأل جبريل ، فلما سأله قال : حتّى أسأل ربّ العزة ، فلما سأله قال له : هو سرّ من أسراري أودعه قلب من أحببت من عبادي ، لا يطّلع عليه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده » . قال بعضهم : هو مقام الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه . والإخلاص على ثلاث درجات : درجة العوام ، والخواص ، وخواص الخواص .